أخبار العملات الرقمية

إذا كان البيتكوين مثل الذهب: فلماذا لا أحد يشتري الذهب بهذا الهوس؟

منذ أن بدأ البيتكوين يأخذ مكانه في نقاشات المال والاقتصاد، لم تتوقف مقارنة واحدة عن التردد في كل مقال ومقطع فيديو وحفلة عشاء: “البيتكوين هو الذهب الرقمي.”

المنطق يبدو متماسكاً للوهلة الأولى، كلاهما نادر، كلاهما لا تتحكم فيه حكومة، كلاهما يُعتبر مخزناً للقيمة في مواجهة التضخم، وكلاهما لا ينتج دخلاً ولا يدفع فوائد.

لكن هناك سؤال لا يطرحه أحد، وهو السؤال الذي يكشف شيئاً عميقاً جداً عن طبيعة الإنسان وعلاقته بالمال:

إذا كانا متشابهَين إلى هذا الحد، فلماذا يشتري الناس البيتكوين بهوس لا يُطاق، بينما يشتري معظمهم الذهب ببرود رجل يدفع فاتورة الكهرباء.

لا أحد يستيقظ الساعة الثالثة صباحاً لفحص سعر الذهب، ولا أحد يُرسل رسائل صوتية مثيرة في مجموعة واتساب عن “الذهب يتحرك الآن”، ولا أحد فقد صديقاً لأنه نصحه بشراء سبائك بدلاً من بيتكوين.

الذهب هادئ، والبيتكوين يشتعل. والسؤال الحقيقي ليس أيهما أفضل استثماراً، السؤال هو: ماذا يقول هذا الفرق في السلوك عن عقولنا، وعن طبيعة المال نفسه؟

علم الأعصاب والمكافأة

لماذا البيتكوين يُطعم شيئاً لا يطعمه الذهب؟

الدوبامين لا يهتم بالقيمة الجوهرية

في منتصف القرن العشرين، اكتشف علماء الأعصاب أن الدماغ البشري يملك نظاماً للمكافأة يُفرز مادة الدوبامين ليس عند الحصول على الشيء المرغوب، بل عند توقّعه، هذا الاكتشاف غيّر كل شيء في فهمنا للسلوك البشري.

الذهب أصل ثابت، سعره يتحرك، نعم، لكنه يتحرك ببطء شديد، بأرقام صغيرة نسبياً، وفي سياق يشعر القارئ العادي أنه “للمختصين”.

فحين ترتفع أسعار الذهب 15% في سنة، يُعدّ ذلك أداءً ممتازاً يُحتفى به في المجلات المالية المتخصصة، بينما البيتكوين يرتفع 15% في يومين.

هذا الفرق في السرعة ليس مجرد تفصيل، إنه الفرق بين أصل يُفرز الدوبامين باستمرار وأصل يفعل ذلك مرة كل موسم.

نظام المكافأة في الدماغ يُدمن على التقلب المتوقع. ليس على اليقين، وليس على العشوائية الكاملة، بل على الفضاء الوسط حيث يبدو الربح ممكناً وقريباً وغير مضمون في آنٍ واحد، وهذا بالضبط ما يُقدمه البيتكوين كل يوم.

الذهب ببساطة لا يُثير هذه الاستجابة. إنه أقرب إلى وجبة صحية متوازنة، بينما البيتكوين أقرب إلى لعبة الكازينو التي تعرف أنك قد تربح الجائزة الكبرى في الجولة التالية.

السردية: الوقود الخفي للهوس

الذهب قديم قِدم الحضارة، قصته انتهت بمعنى ما، نعرف ما هو، نعرف تاريخه، ونعرف حدوده.

البيتكوين لا يزال يُكتب، سرديته مفتوحة على كل الاحتمالات.

وهذا يحدث فارقاً نفسياً عميقاً. الروائي الأمريكي نسيم طالب أشار إلى أن البشر لا يشترون الأصول، هم يشترون القصص. والقصة التي لا تزال تُكتب تجذب الخيال البشري بشكل لا تستطيعه القصة المكتملة.

  • “الذهب موجود منذ آلاف السنين وسيبقى”، هذه قصة كاملة، لا مساحة فيها للخيال.
  • “البيتكوين قد يُغيّر النظام المالي العالمي كله”، هذه قصة ما زالت في فصلها الأول.

من منكم يفضّل قراءة رواية انتهت على رواية يتقلب فيها مصير البطل في كل فصل؟

البيتكوين

الندرة ليست متساوية

الفرق الجوهري بين نوعين من القلة

الندرة الميتة والندرة الحية

هذا هو قلب الموضوع، وهو ما تفتقده معظم المقارنات السطحية.

الذهب نادر بمعنى فيزيائي، الكمية الموجودة في باطن الأرض محدودة، وتكلفة استخراجه عالية، وإنتاجه السنوي يمثل جزءاً صغيراً من المخزون المتراكم على مدى آلاف السنين.

لكن هذه الندرة ميتة، لا تتفاعل مع الزمن بطريقة قابلة للقياس والتتبع اللحظي، ولا تستطيع أن تعرف في أي لحظة بالضبط كم غرام ذهب موجود في العالم، وكم استُخرج اليوم، وكم سيُستخرج غداً.

البيتكوين نادر بمعنى رياضي، 21 مليون وحدة، لا واحدة أكثر. هذا الرقم منقوش في الكود، قابل للتحقق من أي شخص، في أي وقت، في أي مكان على كوكب الأرض.

وأكثر من ذلك: معدل إصدار البيتكوين الجديد يتنصف تلقائياً كل أربع سنوات في حدث يُسمى “الهالفينغ”، وهو حدث معروف التاريخ، قابل للتوقع، يُتابعه ملايين البشر كأنه فجر عصر جديد.

البيتكوين

الندرة الميتة لا تُنتج قصة، الندرة الحية تُنتج دراما

لماذا الهالفينغ ظاهرة نفسية لا اقتصادية فقط
كل أربع سنوات، تنتصف مكافأة المعدّنين تلقائياً، والأثر الاقتصادي لهذا الحدث موضع جدل حقيقي بين الاقتصاديين.

هل يُحدث ارتفاعاً في السعر فعلاً؟ أم أن الارتفاع مبني على التوقع لا على الحدث نفسه؟

لكن ما ليس موضع جدل هو الأثر النفسي والاجتماعي، فالهالفينغ يُعطي مجتمع البيتكوين تاريخاً مقدساً مشتركاً، وحدثاً يتجمع حوله الناس، يتوقعونه، يتحدثون عنه قبل أشهر، ويحتفلون به بعده.

الذهب لا يملك مثل هذا الحدث، لا يوجد “يوم الذهب”، ولا يوجد حدث عالمي يجعل ملايين الناس يتفقون على أن “شيئاً مهماً يحدث الآن في عالم الذهب”.

البيتكوين بنى لنفسه تقويماً دينياً خاصاً، والتقاويم الدينية، كما يعلم كل عالم اجتماع، من أقوى أدوات بناء المجتمعات وتوحيد الهويات.

ماذا يقول هذا عن طبيعة المال نفسه؟

المال وهم اجتماعي، لكنه وهم ضروري

هذه الفكرة تُزعج كثيرين، لكنها من أكثر ما اتفق عليه الاقتصاديون وعلماء الأنثروبولوجيا: المال ليس شيئاً حقيقياً بالمعنى الفيزيائي، إنه اتفاق جماعي على الثقة.

الورقة النقدية قيمتها صفر في غياب الثقة بالحكومة التي أصدرتها، والذهب قيمته تعتمد على اتفاق إنساني راسخ منذ آلاف السنين بأنه يستحق أن يُحفظ ويُتداول.

والبيتكوين قيمته تعتمد على اتفاق أحدث عهداً، لكنه يمتد بسرعة مذهلة.

الفيلسوف يوفال نوح هراري وصف القدرة على خلق “حقائق بين ذاتية”، أشياء تصبح حقيقية لأن مجموعة من البشر تؤمن بها معاً، بأنها السر الأكبر لنجاح الجنس البشري.

المال، والقانون، والحدود الوطنية، والشركات، كلها حقائق بين ذاتية. لا وجود لها في الطبيعة، لكنها تحكم حياة البشر.

البيتكوين إذن ليس سؤالاً عن التقنية، هو سؤال عن ما إذا كان بالإمكان بناء ثقة جماعية جديدة من الصفر في العصر الرقمي.

البيتكوين كبديل للدولار

ثلاثة نماذج للمال: وأين يقع كل من الذهب والبيتكوين

النموذج الأول: المال كأداة تبادل

وظيفته الوحيدة تسهيل المقايضة، الذهب كان جيداً في هذا الدور تاريخياً لكنه فشل في الحفاظ عليه مع توسع الاقتصادات الحديثة. البيتكوين يسعى لاستعادة هذا الدور رقمياً.

النموذج الثاني: المال كمخزن للقيمة

وظيفته حفظ القوة الشرائية عبر الزمن. الذهب هنا يمتلك سجلاً تاريخياً لا يُجادَل، خمسة آلاف سنة من الحفاظ على قيمته النسبية.

البيتكوين يملك سجلاً مؤلفاً من 15 سنة فقط، مع تقلبات هائلة على المدى القصير وأداء استثنائي على المدى الطويل.

النموذج الثالث: المال كرمز هوية

هذا هو النموذج الذي يتجاهله الاقتصاديون وهو الأكثر أهمية لفهم البيتكوين. ما تختار الاحتفاظ به من أصول يقول شيئاً عن هويتك، قيمك، ورؤيتك للعالم.

من يشتري ذهباً يقول: “أنا أثق بالحكمة المتراكمة للأجيال، وأؤمن بأن ما صمد لآلاف السنين سيصمد.”

من يشتري بيتكوين يقول: “أنا أؤمن أن النظام القائم معطوب، وأن المستقبل يُبنى الآن، وأنا أريد أن أكون جزءاً من هذا البناء.”

الذهب مملّ: وهذا قد يكون ميزته الحقيقية

الملل كفضيلة استثمارية

وارن بافيت، الذي يكره الذهب والبيتكوين على حد سواء بالمناسبة، قال مرة أن الاستثمار الجيد هو الاستثمار الذي لا يُثير إثارة، الإثارة في الاستثمار عادةً تعني مخاطر غير محسوبة.

الذهب ممل، وهذا الملل له ثمن نفسي: لا يُغريك بالتداول المتكرر، لا يجعلك تفتح التطبيق كل ساعة، لا يسرق نومك.

من يشتري ذهباً ويضعه في الخزينة ينساه غالباً، وهذا النسيان قد يكون أفضل استراتيجية استثمارية متاحة للإنسان العادي.

البيتكوين من جهة أخرى يمتلك جاذبية تجعل المستثمرين يتداولون بكثافة، يدخلون ويخرجون في أوقات سيئة، ويتخذون قرارات مدفوعة بعاطفة لحظية.

والتداول المتكرر، كما تُثبت الدراسات المالية مراراً، يُفقر المستثمر العادي لا يُثريه.

لذلك هناك مفارقة مؤلمة في قلب هذا النقاش: الأصل الأقل إثارة قد يُنتج مستثمراً أكثر نجاحاً.

البيتكوين تقترب من 108

لكن البيتكوين يملك ما لا يملكه الذهب

في المقابل، البيتكوين يملك شيئاً حقيقياً لا يستطيع الذهب تقديمه: البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.

الذهب لا يمكن إرساله عبر الإنترنت، ولا يمكن تقسيمه إلى أجزاء صغيرة بتكلفة معقول، ولا يمكن برمجته في عقد ذكي، ولا يمكن استخدامه كضمانة في منظومة تمويل لامركزية.

البيتكوين يمكنه كل هذا، وهذه الإمكانية الوظيفية قد تكون مصدر قيمة حقيقية لا مجرد هوس عاطفي.

الذهب أثبت نفسه كمخزن للقيمة لكنه فشل كبنية تحتية، والبيتكوين يسعى لأن يكون الاثنين معاً. وهذا الطموح هو بحد ذاته أحد أسباب الهوس.

السؤال الأكبر الذي لا إجابة له بعد: ما هو المال في نهاية المطاف؟

نصل إلى السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً، لأن إغلاقه سابق لأوانه.

لو أن البيتكوين والذهب متطابقان في جوهرهما، وهو ما يدّعيه كثيرون، فلماذا الاستجابة البشرية تجاههما مختلفة إلى هذا الحد؟

ثلاث إجابات محتملة، كل منها تحمل حكمة خاصة:

الإجابة الأولى: البيتكوين ليس فعلاً مثل الذهب

هو شيء جديد كلياً، أصل رقمي يجمع بين ندرة الذهب وقابلية برمجة البيانات. والهوس تجاهه ليس وهماً، بل هو استجابة صحيحة لشيء لم يوجد من قبل.

الإجابة الثانية: البيتكوين يستغل ثغرات في العقل البشري

الدوبامين والسردية والهوية، ويعيش عليها. والهوس الذي يُثيره أقرب إلى الظاهرة الاجتماعية منه إلى الحكم العقلاني على قيمة حقيقية.

الإجابة الثالثة: ربما الهوس هو المال

ربما قيمة أي أصل في نهاية المطاف ليست في ما هو، بل في عدد البشر الذين يؤمنون به ويُريدونه وينامون مضطربين بسببه.

وإذا كان هذا صحيحاً، فالبيتكوين يصنع قيمته بإثارة الهوس لا بالرغم منه.

لا أعرف أيها الصحيح. ولا أظن أن أحداً يعرف حقاً بعد.
لكن ما أعرفه هو أن المقارنة بين البيتكوين والذهب تطرح في نهاية المطاف السؤال الأقدم والأعمق في الاقتصاد البشري: لماذا يتفق الناس على أن شيئاً ما يستحق أن يُحتفظ به؟

  • الذهب أجاب على هذا السؤال بخمسة آلاف سنة من الصمود الصامت.
  • البيتكوين يُحاول الإجابة عليه بخمسة عشر عاماً من الضجيج المتواصل.
  • والتاريخ، كما هو عادته، سيحكم في وقته الخاص، لا في وقتنا نحن.

عملة البيتكوين

الأسئلة الشائعة FAQ

هل البيتكوين فعلاً مخزن للقيمة كالذهب؟

البيتكوين أثبت على المدى الطويل، 10 سنوات فأكثر، قدرته على الحفاظ على قيمته بل وتنميتها، لكنه يختلف عن الذهب في درجة التقلب.

الذهب مستقر على المدى القصير، البيتكوين مستقر على المدى الطويل فقط، من يقارن بينهما يجب أن يُحدد أولاً أفقه الزمني.

لماذا لا ترتفع أسعار الذهب بنفس جنون البيتكوين؟

لأن سوق الذهب أضخم بكثير وأقدم، القيمة السوقية للذهب تتجاوز 13 تريليون دولار مقارنة بأقل من تريليوني دولار للبيتكوين.

تحريك سوق بهذا الحجم يتطلب تدفقات أموال ضخمة جداً، وصغر حجم البيتكوين نسبياً يجعله أكثر حساسية للتدفقات الداخلة والخارجة.

هل الهوس تجاه البيتكوين دليل على أنه فقاعة؟

الهوس وحده لا يعني الفقاعة، ولا يعني القيمة الحقيقية، تويوتا لا تُثير هوساً، لكنها شركة ذات قيمة حقيقية هائلة، وشركات الـ Dot-com أثارت هوساً في التسعينيات وأغلبها انهار.

ما يحدد ما إذا كان الأصل فقاعة هو ما إذا كانت قيمته السوقية تعكس إمكاناته الحقيقية، وهذا النقاش في حالة البيتكوين لم يُحسم بعد.

ما الذي يجعل الذهب أكثر استقراراً نفسياً للمستثمر العادي؟

الذهب لا يملك مجتمعاً إلكترونياً يُغذي المشاعر لحظة بلحظة. لا يوجد “ريديت الذهب” يُثير الذعر أو الابتهاج. لا يوجد تيليجرام يُرسل تنبيهات كل ساعة. العزل عن هذا الضجيج الاجتماعي يجعل القرارات المتعلقة بالذهب أكثر هدوءاً بطبيعتها.

هل يمكن أن يُصبح البيتكوين يوماً “مملاً” كالذهب؟

ربما. إذا نضج السوق، وازداد حجمه، وأصبح جزءاً من المحافظ المؤسسية الضخمة، وتراجعت تقلباته، قد يُصبح البيتكوين يوماً أصلاً هادئاً يشتريه الناس دون إثارة.

وحينها ربما يظهر أصل جديد ليحمل لواء الهوس. الدماغ البشري دائماً يبحث عن قصة جديدة لم تنتهِ بعد.

⚠️ إخلاء المسؤولية: المحتوى الوارد في هذا المقال هو للأغراض التعليمية والفكرية فقط، ولا يُعدّ نصيحة استثمارية أو مالية. الاستثمار في العملات الرقمية والذهب وسائر الأصول ينطوي على مخاطر. يُرجى استشارة مستشار مالي مرخص قبل اتخاذ أي قرار استثماري.

[adsforwp id="60211"]
[adsforwp id="60211"]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى