لماذا تراهن الصناديق الكبرى على الشبكات التركيبية (Modular Blockchains)؟

في السنوات الأولى للبلوكتشين، كان النموذج السائد هو “البلوكتشين الأحادي” (Monolithic Blockchain)، حيث تقوم شبكة واحدة بكل شيء: تسجيل المعاملات، التحقق من صحتها، وضمان توفر البيانات. لكن مع زيادة الضغط، واجهت هذه الشبكات (مثل إيثيريوم وسولانا في بداياتهما) “معضلة البلوكتشين”: استحالة تحقيق السرعة، الأمان، واللامركزية في وقت واحد.
هنا ظهر الحل الذي تراهن عليه كبرى صناديق الاستثمار اليوم: الشبكات التركيبية (Modular Blockchains).
ما هي الفلسفة التركيبية؟ (تفكيك العقدة)
بدلاً من محاولة جعل شبكة واحدة تقوم بكل المهام، تقوم البنية التحتية التركيبية بفصل وظائف البلوكتشين إلى طبقات متخصصة. تخيل الأمر كخط إنتاج في مصنع، حيث يتخصص كل قسم في مهمة واحدة ليبدع فيها:
طبقة التنفيذ (Execution): معالجة المعاملات (مثل Arbitrum أو نسيج الـ Rollups).
طبقة التسوية (Settlement): حل النزاعات وضمان الأمان (مثل Ethereum).
طبقة توافر البيانات (Data Availability): التأكد من أن بيانات المعاملات متاحة للجميع (مثل Celestia أو Avail).
لماذا تضخ الصناديق (مثل Paradigm وA16z) استثماراتها هنا؟
الرهان ليس على عملة معينة، بل على “البنية التحتية” التي ستسمح للكريبتو بالوصول لمليارات المستخدمين. إليك الأسباب:
التوسع اللانهائي (Scalability): في الشبكات التركيبية، لا تحتاج كل عقدة (Node) لمعالجة كل شيء. هذا يسمح بزيادة عدد المعاملات في الثانية (TPS) بشكل هائل دون التضحية باللامركزية.
خفض التكاليف الجذري: من خلال فصل “توافر البيانات”، انخفضت تكاليف تخزين البيانات على البلوكتشين بنسبة تصل إلى 99%، مما جعل الرسوم (Gas Fees) شبه معدومة للمستخدم النهائي.
المرونة للمطورين: لم يعد المطور مضطراً لبناء بلوكتشين من الصفر. يمكنه “تركيب” شبكته الخاصة باستخدام طبقة أمان من إيثيريوم، وطبقة بيانات من سيلستيا، وطبقة تنفيذ مخصصة لتطبيقه.
“سيلستيا” (Celestia) وما بعدها: الانفجار الكبير
في 2026، نرى نضوجاً كاملاً لمشاريع مثل Celestia و Avail و EigenLayer. هذه المشاريع لا تقدم تطبيقات للمستخدمين، بل تقدم “خدمات” لآلاف الشبكات الأخرى. الصناديق الكبرى تدرك أن امتلاك الطبقة التي تعتمد عليها آلاف الشبكات الأخرى هو الرهان الأكثر أماناً وربحية على المدى الطويل.
التحديات: هل التعقيد هو الثمن؟
رغم الميزات، تواجه الشبكات التركيبية انتقادات تتعلق بـ “تجزئة السيولة” و “تعقيد تجربة المستخدم”. فالمستخدم قد يجد نفسه مضطراً للتعامل مع عدة طبقات لإتمام عملية واحدة. ومع ذلك، فإن حلول “تجريد الحسابات” (Account Abstraction) التي نراها اليوم في 2026 بدأت في إخفاء هذا التعقيد تماماً خلف واجهات بسيطة.
الخاتمة
إن الرهان على الشبكات التركيبية هو رهان على “تخصيص المهام”. نحن ننتقل من عصر “الحاسوب الواحد الذي يفعل كل شيء” إلى عصر “الحوسبة الموزعة والمتخصصة”. الصناديق الكبرى لا تستثمر في عملات، بل تستثمر في “العمود الفقري” للإنترنت القادم.



